الشيخ الطبرسي
249
تفسير مجمع البيان
يقولون : ( ربنا أخرجنا ) من عذاب النار ( نعمل صالحا ) أي : نؤمن بدل الكفر ، ونطع بدل المعصية . والمعنى : ردنا إلى الدنيا لنعمل بالطاعات التي تأمرنا بها ( غير الذي كنا نعمل ) من المعاصي . فوبخهم الله تعالى ، فقال : ( أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) أي : ألم نعطكم من العمر مقدار ما يمكن أن يتفكر ويعتبر ، وينظر في أمور دينه ، وعواقب حاله ، من يريد أن يتفكر ويتذكر . واختلف في هذا المقدار فقيل : هو ستون سنة ، وهو المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة ، وهو إحدى الروايتين ، عن ابن عباس . وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا مرفوعا أنه قال : " من عمر الله ستين سنة فقد أعذر إليه " . وقيل : هو أربعون سنة ، عن ابن عباس ، ومسروق . وقيل : هو توبيخ لابن ثماني عشرة سنة ، عن وهب ، وقتادة . وروي ذلك عن الصادق عليه السلام . ( وجاءكم النذير ) أي : المخوف من عذاب الله ، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، عن ابن زيد ، والجبائي ، وجماعة . وقيل : النذير القرآن ، عن زيد بن علي . وقيل : النذير الشيب ، عن عكرمة ، وسفيان بن عيينة ، ومنه قيل : رأيت الشيب من نذر المنايا لصاحبه ، وحسبك من نذير وقائلة تبيض والغواني نوافر عن معاينة القتير ( 1 ) فقلت لها : المشيب نذير عمري ، ولست مسودا وجه النذير وقال عدي بن زيد : وابيضاض السواد من نذر الموت ، وهل بعده يجئ نذير وقيل : النذير موت الأهل والأقارب . وقيل كمال العقل ( فذوقوا ) أي : فذوقوا العذاب وحسرة الندم . ( فما للظالمين من نصير ) يدفع عنهم العذاب ( إن الله عالم غيب السماوات والأرض ) فلا يخفى عليه شئ مما يغيب عن الخلائق علمه ( إنه عليم بذات الصدور ) أي : فلا تضمروا في أنفسكم ما يكرهه سبحانه ، فإنه عالم به . ( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ) أي : جعلكم معاشر الكفار أمة بعد
--> ( 1 ) الغواني جمع الغانية : الجارية الحسناء ، سميت غانية لأنها غنيت بحسنها عن الزينة ، والقتير : الشيب .